مدرسة الدار البيضاء: إرث حيّ في الفن المعاصر المغربي
أرست مدرسة الدار البيضاء أسس حداثة مغربية أصيلة. بعد خمسين عامًا، لا يزال إرثها يُشكّل نظرتي وممارستي الفنية.
حين يسألني الناس عن منبع عملي، أجيب دائمًا باسم واحد: الدار البيضاء. ليست مدينة البطاقات السياحية، بل الدار البيضاء بوصفها حاضنةً لثورة فنية صامتة. أسّست مدرسة الدار البيضاء في الستينيات والسبعينيات، على يد فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد الحميدي، رؤيةً جذريةً جديدة لما يمكن أن يكون عليه الفن المغربي — فنٌ متجذّر في الأشكال التشكيلية للثقافة العربية الأمازيغية، متحرّر من المحاكاة الغربية، منفتحٌ على الحداثة دون أن ينكر ذاته. هذا هو الإرث الذي استوعبته، أولًا كطالب في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء تحت إشراف محمد الحميدي، ثم كفنان يبني لغته الخاصة.
لم تكن مدرسة الدار البيضاء حركةً أسلوبية مجردة. كانت موقفًا فكريًا وسياسيًا. رفض بلكاهية ورفاقه فكرة أن يُرآة الفن المغربي المعاصر للطليعة الباريسية أو النيويوركية. نظروا إلى مكان آخر: نحو السجاد الأمازيغي، وفسيفساء الزليج، والنقوش بالحناء، وزخارف أبواب المدينة العتيقة. رأوا في هذه الأشكال هندسةً حيّة وتجريدًا استغرق الغرب عقودًا لتنظيره، في حين كان موجودًا منذ قرون في الحرف المغاربية. تظل إعادة قراءة التراث بوصفه موردًا تشكيليًا — لا فولكلورًا — درسًا تأسيسيًا بالنسبة لي.
أن تدرس تحت إشراف محمد الحميدي يعني الدخول في تواصل مباشر مع هذا النسب الفني. لم يكن الحميدي يُدرّس تقنيةً بقدر ما كان يُورّث أخلاقيات النظر. علّمنا أن نقرأ الخط لا بوصفه كتابةً بل عمارة، وأن نتأمل الضوء على السطح المرسوم كما نقرأ قصيدة. منحتني هذه التنشئة أدوات الاقتراب من الطلاء السيليلوزي على الألومنيوم أو القماش، لا بوصفه تمرينًا شكليًا، بل فعلَ ذاكرة وتحويل. كل طبقة أضعها تحاور تلك التعاليم: صرامة التكوين، ونقاء الشكل، والتوتر بين الامتلاء والفراغ.
يبقى تأثير مدرسة الدار البيضاء في الفن المغربي المعاصر عميقًا، حتى وإن ظلّ خفيًا للوهلة الأولى. يعمل كقواعد نحوية كامنة: لا ترى هذه القواعد، لكنك تتعرف عليها في الطريقة التي يتعامل بها الفنانون المغاربة اليوم مع السطح والفضاء واللون. يتجلى هذا الإرث في عملي من خلال علاقتي بالتجريد الهندسي، وفي الطريقة التي أبني بها أعمالًا ترفض السرد وتُعلي من شأن الإحساس الخالص. الأعمال المُعروضة في معرض 1-54 بلندن وأبوظبي آرت فير وباريس إنترناسيونال تحمل هذا الطابع، حتى حين تبدو شكليًا بعيدة عنه.
اليوم، وفيما تحتفظ مقتنيات متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط ومتحف بنك المغرب بأعمال مغربية ترسم هذا الامتداد التاريخي، أشعر بمسؤولية خاصة: ألا أدع هذا الإرث يتصلّب في نصب تذكاري جامد، بل أبقيه في توتر مع الحاضر. كانت مدرسة الدار البيضاء حيّة لأنها كانت تتساءل. يطمح عملي إلى الوفاء لهذا الروح: لا بتكرار أشكال الأساتذة، بل بامتداد إيماءة حريتهم — باحثًا في المادة، السيليلوزية المضيئة المتذبذبة، عن الأجوبة التي يستدعيها عصرنا.
Autres articles
